محمد بن محمد النويري
46
شرح طيبة النشر في القراءات العشر
فهذه نبذة من الآداب لمن اشتغل بهذا « 1 » الطريق لا يستغنى عن تذكرها ؛ لتكون معينة على تحصيل المرام والخروج إلى النور « 2 » من الظلام ، والله تعالى هو المنان ذو الجود والإكرام « 3 » .
--> - نثرا ونظما ، ورويناها في كتاب الخطيب : الجامع لأخلاق الراوي والسامع منها عن الزهري : إياك وغلول الكتب ؛ وهو حبسها عن أصحابها ، وعن الفضيل : ليس من أفعال أهل الورع ولا من أفعال الحكماء أن يأخذ سماع رجل وكتابه ، فيحبسه عنه ، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه . وقال الخطيب : وبسبب حبسها امتنع غير واحد من إعارتها ، ثم روى في ذلك جملا عن السلف ، وأنشد فيه أشياء كثيرة . والمختار استحباب الإعارة لمن لا ضرر عليه في ذلك ؛ لأنه إعانة على العلم مع ما في مطلق العارية من الفضل ، وروينا عن وكيع : أول بركة الحديث إعارة الكتب . وعن سفيان الثوري : من بخل بالعلم ابتلى بإحدى ثلاث : أن ينساه ، أو يموت ولا ينتفع به ، أو تذهب كتبه . ( 1 ) في م ، ص : بهذه . ( 2 ) في م : والدخول في النور . ( 3 ) اقتصر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الفصل على بيان ما يتعلق بطالب العلم من آداب . وإكمالا للفائدة نذكر فيما يلي ما يتعلق بالمعلم نفسه من آداب ، وقد عقد النووي في مقدمة المجموع بابا خاصّا بذلك جاء فيه ما نصه : هذا الباب واسع جدّا ، وقد جمعت فيه نفائس كثيرة لا يحتمل هذا الكتاب عشرها ، فأذكر فيه - إن شاء اللّه تعالى - نبذا منه ، فمن آدابه : أدبه في نفسه ، وذلك في أمور : منها أن يقصد بتعليمه وجه اللّه تعالى ، ولا يقصد توصلا إلى غرض دنيوي : كتحصيل مال ، أو جاه ، أو شهرة ، أو سمعة ، أو تميز عن الأنداد ، أو تكثر بالمشتغلين عليه ، أو المختلفين إليه ، أو نحو ذلك ، ولا يشين علمه وتعليمه بشيء من الطمع في رفق يحصل له من مشتغل عليه من خدمة ، أو مال ، أو نحوهما ، وإن قل ، ولو كان على صورة الهدية التي لولا اشتغاله عليه لما أهداها إليه . وقد صح عن الشافعي - رحمه اللّه تعالى - أنه قال : وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على ألا ينسب إلى حرف منه وقال - رحمه اللّه تعالى - : ما ناظرت أحدا قط على الغلبة ، وددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر الحق على يديه وقال : ما كلمت أحدا قط إلا وددت أن يوفق ، ويسدد ، ويعان ، ويكون عليه رعاية من اللّه وحفظ . وعن أبي يوسف - رحمه اللّه تعالى - قال : يا قوم أريدوا بعلمكم اللّه فإني لم أجلس مجلسا قط أنوى فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم ، ولم أجلس مجلسا قط أنوى فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح . ومنها : أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها ، وحث عليها ، والخلال الحميدة ، والشيم المرضية التي أرشد إليها من التزهد في الدنيا ، والتقلل منها ، وعدم المبالاة بفواتها ، والسخاء ، والجود ، ومكارم الأخلاق ، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة ، والحلم ، والصبر ، والتنزه عن دنىء الاكتساب ، وملازمة الورع ، والخشوع ، والسكينة ، والوقار ، والتواضع ، والخضوع ، واجتناب الضحك والإكثار من المزاح ، وملازمة الآداب الشرعية الظاهرة والخفية : كالتنظيف بإزالة الأوساخ ، وتنظيف الإبط ، وإزالة الروائح الكريهة ، واجتناب الروائح المكروهة ، وتسريح اللحية . ومنها : الحذر من الحسد ، والرياء ، والإعجاب ، واحتقار الناس وإن كانوا دونه بدرجات ، وهذه أدواء وأمراض يبتلى بها كثيرون من أصحاب الأنفس الخسيسات ، وطريقه في نفى الحسد أن يعلم أن حكمة اللّه - تعالى - اقتضت جعل هذا الفضل في هذا الإنسان ؛ فلا يعترض ، ولا يكره ما اقتضته